‏إظهار الرسائل ذات التسميات ذكريــات الغربـــة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ذكريــات الغربـــة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 24 فبراير 2012

الوصول إلى مدينة بيرث

دخلت إلى صالة القدوم في صف طويل يسير باتجاه جوزات المطار لفحص أوراقنا الثبوتية وتأشيرات الدخول، مضى الجميع بشكل سريع حتى أنه اختلط علي وقوفهم أمام الموظف ومغادرتهم، وصل الدور إلي فتقدمت إلى الموظف وكنت حينها أعتقد أني شخص (عادي!) كأولئك الذين سبقوني، ناولته جوازي الأخضر المرصع بنخلة ذهبية يحفها سيفان، تفحصه وقلبه ذات اليمين وذات الشمال، دقق في المعلومات لديه كثيراً، ثم ناوله لضابط يقف خلفه هو فقط وكأنه قد جُهز لاستقبالي ثم أومأ لي بالتوجه إلى الضابط ...

أخذ الضابط جوازي وابتعد قليلاً عن الكاونتر ولحقت به في دهشة، توقف في ناحية من المكان وبادرني بالتحية ورحب بي في بيرث، فحييته بالمثل، بدأ في توجيه بعض الأسئلة والاستفسارات مصحوبة بنظرات حازمة أوقعت في قلبي القلق، كان يتحدث بسرعة وبلهجة استرالية شديدة الصعوبة، ولكنني حاولت مجاراته حيناً وحيناً أستوضح مغزى سؤاله لأنني خشيت أن أقع في ورطة سوء الفهم كما فعل ذلك السائح الذي أجاب بأنه إرهابي (Terrorist) بدلاً من أن يقول سائح (Tourist)!

ما اسمك؟ من أين أتيت؟ لماذا أتيت إلى بيرث؟ ولماذا الآن؟ هل سوف تبقى طويلاً في بيرث؟ كم لديك من المال؟ وغيرها الكثير من الأسئلة .. طلب مني الانتظار ريثما يعود إلي. أخذ جوازي وتوارى عن الأنظار، مرت نصف ساعة، ساعة، الوقت يمضي ... وصاحبي لم يعد، كان جميع الركاب الذين جاؤا معي على متن الرحلة قد غادروا ولم يتبقى إلا أنا!

يارب ماذا حدث؟!
انتابتني الشكوك، وداهمني شيء من الخوف، وبدأت أتساءل لماذا أنا بالذات؟ وماذا يريدون مني؟ ولماذا يستوقفونني لهذا الوقت الطويل؟ ماذا أتى بي إلى هنا؟ ليتني بقيت في (عرقين)! ومما زاد من توجسي هو أن الحرب على العراق كانت قد بدأت قبل وصولي بحوالي خمسة أيام، فخشيت أن يكونوا قد ارتابوا في أو أن هنالك تشابها في اسمي مع اسم شخص آخر قد يكون مطلوباً لديهم. وسوسة شديدة كانت تتغلغل إلى نفسي وأنا الغر بالسفر، ولكنني أسلي نفسي وأتصبر وأخاطب نفسي قائلاً: ثق بالله فأنت لم ترتكب جرماً وكل شيء لديك نظامي فلا خوف عليك، فقط ثق بالله واعلم أنه لن يصيبك إلا ما كتب الله لك، وبينما أنا كذالك أسلي نفسي وأرجيها، جاءني الضابط وناولني جوازي وقال لي أعتذر عن التأخير ولكنها احتياطات أمنية يستلزم علينا القيام بها وأظنك تقدر ذلك..! قلت له بالطبع (وقد بلغ بي الأمر مبلغه) وهذا من حقكم، فأمن بلدكم شيء مهم لكم ولنا نحن المقيمين فيه. شكرني وسمح لي بالذهاب لاستلام حقائبي التي رقصت طويلاً على سير الحقائب، تناولت حقائبي وما أن هممت بالتحرك حتى جاءني أحد رجال الأمن يقود كلباً بوليسياً لم أرى أضخم ولا أقبح منه في حياتي، (أقصد عبر شاشات التلفزيون وإلا فأنا لم أرى الكلاب البوليسية على حقيقتها من قبل)، فداهم شنطي وتفحصها وتفحصني معها وكاد قلبي أن يتوقف من شدة الهلع، يا له من كلب قبيح ومرعب، ظننت أنه سيلتهمني أو على أقل تقدير أنه سيبتر أحد أطرافي.

تحركت بعدها إلى نقطة تفتيش القادمين وهنالك تم تفتيش حقائبي بكل دقة (وأمانة) كي أخرج بعدها (نظيفاً) إلى صالة المطار الخارجية - وهذا مخالف لما رأيته في مطار الرياض من تساهل في دخول الحقائب دون تفتيش حقيقي مما يشكل خطر على أمن الوطن والمواطن والمقيم. كانت الساعة حينها تشير إلى العاشرة ليلاً وكان الهدوء سيد المكان، لا تسمع أصوات العاملين ولا اللجبة المعتادة للقادمين والمغادرين على الرغم من أن المطار مطار دولي، الناس يأتون ويذهبون في سكون عجيب يبعث الرهبة في قلب الغريب القادم من بلاد الحركة الدؤوبة والأصوات الصاخبة، لم تكن لدي وجهة محددة ولا أدري إلى أين أذهب، تذكرت صديقي الذي سبقني للدراسة في بيرث فقررت الاتصال عليه، توجهت إلى مكتب الاستعلامات متسائلاً عن كيفية إجراء مكالمة هاتفية من داخل المطار إذ أني لم أشاهد أي هواتف قريبة، أرشدني موظف الاستعلامات إلى مواقع الهاتف التجاري بالمطار وباعني بطاقة إتصال مسبقة الدفع، رفعت سماعة الهاتف متصلاً على صديقي ولكنني لم أكن محظوظاً إذْ أن هاتفه كان مغلقاً، صديقي لم يكن يعلم عن وصولي في تلك الساعة، كنت قد أخبرته بخط سيري القديم ولكن الوقت لم يسعفني لإخباره بالمستجدات قبل مغادرتي لمطار جاكرتا.

توجهت إلى مكتب سيارات الأجرة في زاوية من المطار وكان مكتباً منظماً يسير العمل فيه بشكل راقي يختلف تماماً عن الحال في مطارتنا حيث لا حسيب ولا رقيب إذْ يتفاجأ القادم بعدد من الرجال يتسابقون إليه في مشهد عشوائي وكل واحدٍ منهم يحاول الظفر بهذا القادم دون أن يكون هنالك آلية صارمة لتنظيم هذا النشاط الهام الذي يعكس أول الانطباعات عن بلادنا ومجتمعنا لدى الزائر. حجزت إحدى السيارات المتوفرة لإيصالي إلى المدينة، وفي طريقي لركوبها برفقة السائق فتحت باب الراكب (عن يمين السيارة) جرياً على الوضع في بلادنا لأتفاجأ بمقود السيارة أمامي بينما كان السائق ينظر إلي في دهشة وتوجس، عدت للخلف محرجاً ومعتذراً واتجهت للباب الآخر، أدار قائد السيارة محركها وتحرك في هدوء، كان رجلاً ضخم الجثة، أشقر اللون، يظهر عليه أنه في الأربعينات من عمره.

كانت أول جملة نطق بها.. أين وجهتك؟
طلبت منه أخذي إلى أحد الفنادق القريبة من جامعة كيرتن؟ رد علي بهدوء قائلاً: لا يوجد فنادق بقرب الجامعة ياسيدي ولكن هنالك موتيلات جيدة وذات سعر معقول في موقع متوسط بين الجامعة والمطار، فوافقت على الفور. كان يسوق سيارته بكل هدوء، وكان قليل الكلام، إلا أنه كان يسأل بعض الأسئلة من حين إلى آخر، كان الطريق مظلماً جداً وشبه خالٍ من السيارات. في البداية ظننت أن المطار يبعد عن المدينة كثيراً ولكنني تفاجأت حين أخبرني أن المسافة لا تتجاوز عشرين دقيقة في أطول الأحوال..!

كنت أتساءل، ولماذا هذا الظلام المخيم الذي قد غطى كل مكان؟
أين أضواء المدينة الصاخبة؟
أين شوارع المدينة المزدحمة؟
اليست هذه مدينة (بيرث) عاصمة غرب استراليا؟ طبعاً أتساءل مع نفسي!
وبينما أنا غارق في تساؤلاتي، إذا بعدد بسيط من المباني تلوح في الظلام، وماهي إلا دقائق معدودة حتى توقف السائق أمام أحدها!
كان مبناً لا بأس به ولكنه لم يكن كما تخيلته...
لم أرى فيه تلك الأنوار الصاخبة التي اعتدت على رؤيتها في المدن الصغيرة في وطني فضلاً عما هو عليه الحال في المدن الرئيسية كالرياض وجدة وغيرها، حتى ظننت أنه ربما أخذني إلى قرية صغيرة أو مكان مهجور!

رافقني إلى غرفة الاستقبال وساعدني في إنجاز الحجز والدفع، ثم ساعدني في إنزال حقائبي ودفعها معي حتى وصلنا إلى السلم المؤدي إلى الدور الثاني وودعني ثم ذهب، تأكدت الآن أني في موتيل فعلاً. لم يكن هنالك موظفين يتسابقون على حمل الحقائب، ولم يكن هنالك سلم كهربائي لينقلني إلى غرفتي في الدور الثاني (لأنه موتيل صغير كما أخبرتكم سالفاً)، وكان لزاماً علي أن أحمل حقائبي على ظهري وخصوصاً تلك الحقيبة الضخمة التي كادت أن تفت عظامي وتفكك مفاصلي، وصلت إلى الغرفة المخصصة، ألقيت حقائبي جانباً، حمدت الله وخلدت إلى سريري طمعاً في غفوة أستقوي بها على أعمالي في الغد، لكنني لم أستطع النوم، بل إن ذكريات الأهل والوطن تحركت فحركت معها عواطفي وشجوني، وحركت معها كل شيء جميل، بل حتى إنها حركت دمــــــوعي..!

تضايقت كثيراً عندما رأيت الوضع المحيط، فكل شيء يبدو بسيطاً، والظلام الدامس يغشى المكان، حتى داخل الغرفة كانت الإضاءة خافتة جداً، والوحشة تملأ أرجاء المكان. عشت مع أفكاري وذكرياتي حتى داهمني النعاس وأسلمت عيناي لسلطان النوم، نمت حتى بزغ الفجر ثم قمت لأداء الصلاة ولكنني حقاً افتقدت شيئاً عظيماً كنت قد اعتدت عليه في قريتي الصغيرة (عرقين) وهو صوت مؤذني الحي (جبران علي، جيبان، محمد علي، والعم فرح الفيفي)، يا الله كم كان يطرب مسامعي ذلك الصوت وكم كان يبعث في نفسي الهمة والنشاط وعلى الرغم من ذلك  فأنا لم أشعر بقيمته وفضله كما شعرت به في هذا اليوم. قمت لأداء الصلاة وكم كانت هي اللذة التي شعرت بها وأنا أؤدي صلاة الفجر في هذا البلد، حقاً لقد كان إحساس عظيم جعلني أستشعر قيمة الإسلام وفضل الله ونعمته علي.

مع استيقاظي المبكر استيقظت معدتي الخاوية وقد ألهبتها حرارة الجوع، نهضت أجوب أركان الغرفة وأتحسس ثلاجتها الصغيرة علّي أجد فيها شيئاً أسد به جوعتي، وقعت عيني على شيء من البسكويتات والمرطبات والماء وقوارير أخرى لم أتبينها في حينها! لم يطل بي الوقت حتى أنجزت مهمتي لأستلقي ثانية على سريري منتظراً إسفار الصباح...

بزغت الشمس بخيوطها الذهبية لتضيء لي يوماً جديداً من حياتي في بلدٍ جديد سأقضي فيه بعضاً من سنين عمري بعيداً عن أهلي وأحبتي ووطني، طلعت الشمس لتزيح ظلام الليل الكئيب الذي طمس معالم المدينة، ومعالم المكان والإنسان هناك، طلعت لتكشف الستار عن مكان آخر غير ذلك المكان الذي رأيته بعيني ليلة البارحة، نعم لقد كشفت الستار عن مكان آخر، مكان جميل، كانت الأشجار تحيط بالمكان من كل ناحية، كانت العصافير تتراقص هنا وهناك وتشدوا بألحانها الشجية التي أطربت نفسي وأبهجتها، كان الهواء لطيفاً وهو يصافح وجهي الذي يطل من نافذة الغرفة، يا سبحان الله ما أروع المكان، خرجت مسرعاً إلى شرفة تطل على ناحية أخرى من المدينة، لتقع عيناي على منظر لم أرى مثله من قبل، إنه نهر (سوان SWAN)، ذلك النهر الذي يشق مدينة بيرث ليصب في المحيط الهندي، كانت مياهه تنساب أمام ناظري في مشهد جميل يبث في الروح أمال جديدة وطموحات متقدة ومما زاد جمال المشهد هو تعانق خيوط الشمس الذهبية مع المياه الجارية، حقاً إنه مشهد لن أنساه ما حييت، ومن هنا بدأ أول أيامي بمدينة بيرث.

[وللذكرى بقية]
بقلم: محمد المالكي

الأربعاء، 22 فبراير 2012

بين الرياض ومدينة بيرث

أكملت الرحلة مسارها باتجاه مدينة جاكرتا (عاصمة اندنوسيا)  سبحت في الفضاء قرابة الثمان ساعات، كانت تلك هي رحلتي الأولى إلى خارج الوطن ولا عجب فلقد أمضيت معظم أيام حياتي في قريتي الصغيرة (عرقين) بمحافظة الدائر بني مالك الحبيبة، تتخللها بعض الزيارات المتفرقة لمدن وطني العزيز كمكة المكرمة والرياض والشرقية وعسير وجدة وسواها من مناطق ومدن الوطن، مرت الساعات ثقيلة وطويلة ومملة ومما زاد من مللي هي تلك الأصوات المتعالية من بعض المسافرين على نفس الرحلة، حيث كانت الأصوات والضحكات تتعالى في كل ركن وزاوية من تلك الطائرة وبلغة لا أفهمها ولا يفهمها إلا البعض من ملاحي الطائرة الذين اعتادوا على سماعها كثيراً، كما أن تدني مستوى النظافة على متن الطائرة كان ملحوظاً إذْ أن بعض المسافرين لا يتوانون عن رمي مخلفاتهم تحت أقدامهم وفي الممرات، استمر الوضع هكذا حتى هبطت الطائرة في مطار كوالالمبور لمدة ساعة واحدة ليهبط منها بعض المسافرون ويصعد إلى متنها آخرون قبل أن تعاود انطلاقها باتجاه مدينة جاكرتا، في مطار كوالالمبور وقعت عيناي على مساحات خضراء ممتدة كادت أن تقفز إليها روحي من نافذة الطائرة الزجاجية والتي أجلس خلفها إذْ أنه لم يسمح لنا بمغادرة الطائرة، كان منظر جميل وبساط أخضر لم مثله من قبله على الواقع أعاد إلى نفسي شيئاً من سكينتها التي أذهبها الفراق والوداع والسفر.

بينما نحن نحلق باتجاه جاكرتا جلس بجانبي شاب سعودي من أهل مدينة جدة وكان شاباً مملوء الجسم رفيع القامة يبدو عليه الهدوء وطيب الخُلق، تحدث إلى وتحدثت إليه فعرفته باسمي وعرفني باسمه وأظنه (أحمد)، والحقيقة أني تمنيت لو أنه جلس إلى جانبي منذ انطلاقة الرحلة من مدينة الرياض فهو شاب مثقف وذو خبرة عريضة في الحياة كما اتضح لي من حديثنا، حين أخبرته أنها سفرتي الأولى إلى خارج الوطن قدم إلى بعض النصائح القيمة التي عرفت قدرها وقدر قائلها فيما بعد وفقه الله.

وصلنا إلى مطار جاكرتا، كان مطاراً كبيراً ذو تصميم جيد والحقيقة أن الشيء الايجابي في هذا المطار الذي لفت انتباهي هو الخدمات والمحلات التجارية المتوفرة فيه، حقيقة لقد تعجبت حين قارنت خدماته وأسواقه مع خدمات وأسواق مطاراتنا الدولية مع أن ذلك المطار ليس بمستوى أي من مطاراتنا من حيث الحجم والتصميم وأجزم أنه ليس في حجمها من حيث مبالغ الإنشاء والصيانة!

أنهيت إجراءات الوصول وتوجهت إلى مقر الخطوط الإسترالية (كوانتس) مباشرة لكي أبحث معهم أمر السكن حيث أن وجهتي القادمة هي مدينة سدني ثم بعد ذلك مدينة بيرث وهو خط بعيد ومرهق يصل في مجموعه من مدينة جازان إلى مدينة بيرث مروراً بسدني حوالي 28 ساعة طيران وكان ذلك المسار هو المسار الوحيد الذي تتوفر عليه حجوزات عند إجراء الحجز لأول مرة من السعودية  وكنت مضطراً حينها للسفر عليه حيث أن الدراسة قد بدأت منذ أسابيع في الجامعة التي أسافر إليها، وفي مكتب الشركة (كوانتس) وجدت موظفاً أشار علي باختصار الطريق إلى بيرث مباشرة وأفادني أن هنالك رحلة ستنطلق بعد 4 ساعات، كدت أطير فرحاً حيث أن الإجهاد والتعب قد أخذ مني مأخذاً كبيراً ولم يعد لدي القدرة والصبر على السفر عبر الخط القديم الذي يمر بسدني فوافقت فوراً وطلبت منه إنهاء الإجراءات وبالفعل تم كل شيء على مايرام.

بينما كنت أنتظر في ساحة المطار قررت الذهاب للتجول في أرجائه وشراء بعض الحاجيات، كان المطار مكتظاً بالمسافرين من كل حدب وصوب لدرجة أن الشخص يجد صعوبة في السير بينهم لشدة الزحام، هذا جالس، وذاك واقف، وهذا يقرأ والآخر يأكل، وأخر مستلقٍ في الطرف الآخر، زحام عجيب لا تراه حتى في البطحا!. أثناء تجولي شعرت بالعطش فقصدت أحد المحلات المفتوحة في سوق المطار، فوجئت بأن قيمة قارورة الماء (ثلاثة الآف روبية)، حدقت في البائع ووقفت مشدوهاً، ما هذا؟! ما أثمن هذه المياه؟! لم أكن أعرف أسعار صرف العملة الاندنوسية لعدم حاجتي لصرفها من قبل! ألم أقل لكم أني ابن القرية الصغيرة!، بعد أن صرفت مبلغاً معيناً من النقود الإمريكية التي أحملها أدركت أن سعر قارورة الماء لم يكن ذلك المبلغ الكبير الذي أدهشني في البداية.

على الرغم أنها المرة الأولى التي أسافر فيها خارجياً كما أسلفت، إلا أني لم أشعر حتى الآن بغربة حقيقية حيث أن معظم الناس في مطار جاكرتا كانوا من المسلمين أو من المجيدين لبعض أبجديات العربية أو إن صح التعبير نطق بعض الجمل العربية المكسرة التي تشعرك بشيء من الألفة، فكان بعضهم يرد علي السلام وبعضهم يسأل عن الحال، ومن لم يتحدث كان يبتسم، إلا أن الغربة الحقيقية بدأت عند دخولي إلى طائرة الخطوط الأسترالية (كوانتس)، فبمجرد جلوسي على المقعد المخصص لاحظت بعض العيون التي ترقبني بحذر فملامحي لا تكاد تخفى على أحد ومن يعرف ملامح العربي أدرك أني من هناك.

أجلت نظري يميناً وشمالاً لعلي أرى أحد من أبناء جلدتي كي أستأنس به ولكن لا أمل فالحمرة والشقرة قد ملأت أرجاء المكان، سبحت الطائرة في مسارها وسبحت معها أحلامي من جديد، لم يطل الوقت حتى جاء مجموعة من الملاحين يدفعون عربات المشروبات المختلفة، وصلوا إلي فسألني أحدهم، ماذا تحب أن تشرب؟! هل تفضل الخمر أم البيرة أم مشروبات عادية؟

تمتمت في نفسي "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، الحمد لله الذي جعلني من المسلمين"، ثم قلت له كوباً من عصير المانجو لو سمحت! ناولني كوب العصير ثم أكمل مشواره في توزيع المشروبات الكحولية وغير الكحولية وأنا أتأمل الفارق بين الطائرة التي نزلت منها (بغض النظر عن السلبيات) والتي صعدت إليها، هنالك استمعت إلى دعاء السفر عند الإقلاع وهنالك أطربت مسامعي بالقرآن الكريم، وعلى أقل تقدير كنت أشعر أنها جزء من الوطن! بينما كان أول شيء واجهته في هذه الطائرة هو الخمر والعيون المحدقة، لم يطل بي التفكير والتأمل والمقارنات، حيث كان يتعين علي أن أتفهم الوضع وأن أعي أنها طائرة تتبع لدولة أخرى لها ثقافتها ولها عادتها التي يجب علي أن أساير منها ما يناسبني وأدع ما دون ذلك. وفيما يتعلق بالثقافة والعادات، أدركت لاحقاً أن بعض شبابنا يعتقد أن التمدن والتحضر والتقدم لا يتحقق إلا بالانسلاخ عن مبادئنا وقيمنا وعادتنا الحميدة، وتقمص ثقافات الشعوب الأخرى، الجيد منها والسيئ على حدٍ سواء، وهذا في الواقع غير صحيح. يجب على المسلم أن يبقى متمسكاً بثقافته الإسلامية وعاداته الكريمة مع أخذ المفيد والصالح من الأمم الأخرى.

مضت الرحلة والتي تستغرق مدتها خمس ساعات كاملة وقد تزيد في بعض الأحيان، حاولت الاسترخاء قليلاً طمعاً في غفوة تخفف عني طول الرحلة، وبالفعل نمت ونمت ولم أصحو إلا على صوت كابتن الطائرة وهو يحث الجميع على الاستعداد للهبوط في مطار بيرث الدولي، لم أصدق هل يعقل أني نمت طوال الرحلة، مددت يدي إلى جيبي أتفقده فكان كل شيء على ما يرام، هبطت الطائرة في سلام، خرج الجميع يجرون حقائبهم الشخصية باتجاه صالة الوصول ...

[وللذكرى بقية]
بقلم: محمد المالكي

الخميس، 30 سبتمبر 2010

ليلة الرحيل عن أرض الوطن


لا شك أن رحيل الإنسان عن الوطن الذي خلق فوق أرضه وترعرع تحت سمائه وعاش فيه أجمل وأروع لحظات حياته، لا شك أنه ليس بالموقف اليسير عليه سيما وأنه سيفارق الأهل والأحبة والأصحاب الذين عرفهم وعرفوه والذين أحبهم وأحبوه، سيفارقهم إلى ديارٍ لا يعرف عنها شيئاً إلا إسمها ومكانها الجغرافي وبعض المعلومات التي يقرؤها كما يقرؤها سواه ولكنه لم يعتد على تلك الديار ولا على أهلها، حقيقة أنها لحظات عصيبه لا يعرفها إلا من جربها.

وكذلك أنا، شعرت بمشاعر كثيره كان الحزن سيدها.

شعرت بأن الدموع تنساب من عينيي رغماً عني، كنت أحاول إخفائها عن عيني أمي الحبيبة التي كانت تودعني والدموع تغسل وجنتيها، لكنني لم أفلح وحق لي ذلك فتلكم هي أمي التي ضحت بعمرها من أجلي ومن أجل إخواني، هي أمي التي تعبت من أجلنا وعانت كثيراً، هي أمي التي كانت تتسائل في أيام طفولتي وتقول متى تكبر يا محمد؟ متى أراك رجلاً؟! وأعلم أنها كانت تعني ذلك جيداً لأنها قد سئمت من الحياة ومن عنائها فتتمنى أن ترى أبنائها وقد كبروا ليحملوا عنها العناء وليحملوها ويرعوها في كبرها كما فعلت لهم في صغرهم، واليوم وبعد أن كبرت في نظرها وصرت رجلاً أتيت أودعها وأتركها مسافراً إلى بلاد الغربة لأقضي فيها من العمر ما يزيد على ثمانية أعوام !!

نعم فلذلك حق لي أن أبكي لبكاء أمي الغالية على قلبي، ودعت تلك الأم الحنونة والقلب يتفجر حرقة وألم، حملت حقيبتي لأغادر المكان فكانت أقدامي تمضي إلى الأمام بخطى ثقيلة بينما نفسي تعود إلى الوراء لتتسلل إلى كل خلية في ذلك الجسد الذي بدت عليه آثار الآيام وملامح السنين لتقبلها وتحضنها.

مضيت في طريقي أجر خطاي وركبت في سيارة صديقي وإبن أختي العزيز على قلبي (محمد) والذي أكن له من الحب والإحترام ما الله به عليم ليأخذني إلى منزل (خالي)، حيث كانت زوجتي وأبنائي ينتظروني للوداع، يا الله وهل يقوى قلب ودع أمه الحبيبة قبل قليل على وداع زوجته الغالية وأبنائه الذين لم يعتد على فراقهم لأكثر من إسبوع؟!

هنالك فاضت الدموع، وهنالك شعرت بغصة تقفل حنجرتي خصوصاً عندما رأيت الدموع الصادقة في عيني زوجتي العزيزة وعيني خالي العزيز وخالتي والأكثر من ذلك عندما رأيت الدموع في عيون أبنائي (سامي ومرام) حينما كانوا يسألونني: متى ستعود يا أبي؟!

غادرت المكان وقد حل المساء وكان المساء بالنسبة لي قد حل مبكراً في ذلك اليوم (حينما ودعت أمي)، غادرت وأنا أعرف أن هنالك أبي الحبيب وأخي (جابر) في إنتظاري للسلام والوداع.

كنت أركب في سيارة صديقي ونسير نحوهم وأنا أتخيل ذلك الوجه الذي إمتلأ وقاراً، أتخيل تلك اللحية البيضاء وذلك الوجه الوضاء الذي إرتسمت عليه خطوطاً تشير إلى أفعال السنين، وصلت وسلمت ثم ودعت.

ودعتهم جميعاً! ومن ودعت؟!
إنني أودع روحي! فذاك أبي الذي عاش من أجلي وأجل إخوتي، ذاك أبي الذي منحنا الحب والحنان، ذاك أبي الذي لن توفيه كلماتي حقه مهما كتبت عنه ...
وذاك أخي الحبيب وتوئم روحي الذي قضيت معه أجمل سنين العمر، قضيناها تحت سقف واحد، نأكل من صحن واحد، ونشرب من إناء واحد، نصحو سوياً وننام سوياً، نبقى جميعاً ونسير جميعا، هيه أيها الزمان أهكذا أودع أخي الحبيب بكل بساطه..!
لا .. لن أفعل فله على قلبي ومشاعري وعيناي ما لسواه من الأحبه، فحق عليهم أن يفيضوا بما لديهم من أجله وقد فعلوا.

هنالك كان صديقي الآخر (جبران) ينتظر لينقلني بسيارته إلى مطار جازان الذي يبعد عنا حوالي (120) كيلو متراً، فودعت صديقي الأول وداعاً حاراً يليق بقدره ومكانته في قلبي وإنتقلت إلى سيارة صديقي الأخر وسرنا على بركة الله.

وصلنا إلى المطار في الوقت المناسب، وأنهيت إجراءات السفر وشحن العفش ثم ودعت ذلك الصديق العزيز الذي أبهج خاطري بأسلوبه الفكاهي السلس والذي خفف عني كثيراً من وطأة الفراق والوداع، فكنت كلما تذكرت أحبتي وبدأت الذكريات تتحرك حرك هو المكان بقصة رائعة أو فكهة مسلية، جزاه الله عني خير الجزاء.

ودعته وسرت إلى صالة المغادرة وجلست أنتظر وقت الإقلاع ومر الوقت سريعاً وأقلعت الطائرة وأنا على متنها، شعرت حين إقلاعها بحب وقيمة المكان ولكنني لا زلت أمني نفسي بمشهد آخر من وطني العزيز قبل رحيلي عنه إذ أن محطتي القادمة هي مطار الملك خالد الدولي بمدينة الرياض.

هبطت الطائرة ونزل الركاب ونزل محمد بينهم، كان وقت إقلاع الرحلة الأخرى ليس بالبعيد ولم يكن لدي من الوقت مايكفي للتجول في المطار لأودع كل أركانه فما كان مني إلا أن أنجزت متطلبات السفر وبالفعل حان وقت الإقلاع وأقلعت الطائرة وكاد قلبي أن يقتلع من مكانه بإقلاعها، كيف لا وأنا أغادر تراب وطني الحبيب إلى وطن لا أعرفه.

كانت حقاً هي القاصمة التي قصمت ظهري، فوداعي للوطن أنساني كل وداعٍ قبله، جرت دموعي على وجنتي دون إرادتي، ويعلم الله أنها لحظة حزن لم أشعر بمثلها من قبل وحق لي ذلك، فأنا أغادر وطني (المملكة العربية السعودية)، مهبط الوحي وأرض المقدسات، وطني الذي نبت لحم جسدي من خيراته.

إنها لحظة لن أوفيها حقها مهما قلت فيها أو كتبت عنها ولكن إن عجز قلمي عن ترجمتها فلن تعجز ذاكرتي عن حفظها ولن يعجز قلبي عن الإحساس بها كلما ذكرتها.



[وللذكرى بقية]
بقلم: محمد المالكي

الأكثر قراءة